السيد محمد تقي المدرسي
234
فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)
وهكذا يكون المراد من كلمة الصلاة - مثلا - الإشارة إلى العبادة التي تُقرّب المرء إلى ربه بصورة مجملة ، سواء كانت صلاة الربانيّين عند الأمن والعافية ، أم صلاة البسطاء من الناس عند الخوف والمرض ، وحتى صلاة الغريق فإنها جميعاً - كل حسب ظروفه - تُعتبر محقِّقة لمعنى الصلاة الصحيحة وهو التقرّب إلى الله تعالى ، ولعلّ هذا هو مراد من قال بأنَّ الصلاة موضوعة لماهيّةٍ مُبْهَمة ، أو لعل ما قلناه قريب مما قاله فلنتأمَّل فيما قاله : « وإنْ كانت الماهيّة من الأمور المؤتلفة من عدّة امورٍ بحيث تزيد وتنقص كمّاً وكيفاً ، فمقتضى الوضع لها بحيث يعمّها مع تفرّقها وشتاتها أنْ تُلاحَظ على نحوٍ مُبْهم في غاية الابهام بمعرفيّة بعض العناوين الغير منفكّة عنها ، فكما أنَّ الخمر - مثلا - مائع مبهم من حيث اتخاذه من العنب والتمر وغيرهما ، ومن حيث اللون والطعم والريح ، ومن حيث مرتبة الإسكار ، ولذا لا يمكن وصفه إلّا لمائعٍ خاصٍّ بمعرفيّة المسكريّة من دون لحاظ الخصوصيّة تفصيلا . . . » إلى آخر ما ذكره « 1 » . 6 - الجامع عنوان تحقيق الهدف وبالرغم من أنَّ المحقق المزبور لم يكن موفَّقا من ناحية المثل ، حيث ضرب مثلا للصلاة بالخمر ، ولكنّه كان موفَّقا في تصوير الجامع العرفي الذي يراه الناس في مثل هذه الحقائق ، فالعرف يريد السيّارة للوصول ، ويريد الماء للارواء ، والطعام للإشباع ، وبالرغم من إختلاف الوسائل الموصلة إلى الأهداف سعةً وضيقاً ، وشدةً وضعفاً ، فإنها منصرفة لعنوان يجمع بين الافراد هو عنوان تحقيق الهدف ، فماذا يضير لو قلنا مثل ذلك في العبادات على القول بالصحة ؟ إلّا أنَّ المحقق الخوئي ( قده ) قد رد أستاذه المحقق ( قده ) بما يلي : « إنَّ الماهيّات الاعتباريّة لا تكون مبهمةً أصلًا ، ضرورة أنّ للصلاة - مثلا - حقيقةً متعيّنةً من قبل مخترعها ، وهي أجزاؤها الرئيسية التي هي عبارة عن مقولة الكيف والوضع ونحوهما ، ومن المعلوم أنّه ليس فيها أيّ إبهام وغموض . » وأضاف : « كيف ؟ فإنّ الإبهام لا يُعقل أنْ يدخل في تجوهر ذات الشيء ، فالشيء بتجوهر
--> ( 1 ) - محاضرات في أصول الفقه ، ج 1 ، ص 171 ، نقلا عن : الأستاذ المحقق ( نهاية الدراية ، ج 1 ، ص 62 ، ط المطبعة العلمية . )